اخر الاخبار:
البريد
ضع بريدك ليصلك جديدنا
اعلانات دعائية
استفتاء الموقع
تعداد الزوار

Flag Counter

  • a middle
  • a small

تاريخ النشر: 2012/12/02

الكاتب: www.aishaalzaabi.com

مرات المشاهدة: 2996

الانتظار

منذ زمن تعيس وهي تنتظر .. ورصيف الانتظار طويل وممل .. تتمنى لو تفقأ عين اللحظة الواقفة.. لو يتحول الانتظار لحشرة تهرسه وتطحنه بكل الغيظ الذي تحمله له منذ زمن .  مر وقت طويل وهي تتطلع  حضوره ، والساعات الناعسة تتثاءب بملل ، تتحول لصقيع ميت لا شعور ولا إحساس . . والجدران الشاحبة تتمطى هي الأخرى معلنة تعبها من الانتظار . تتنهد بحسرة ، تمضغ أساها ، تتمدد على الأريكة لتنبسط معها أوجاعها وآلامها المستكينة في صدرها المشحون .. يتضخم شعور الوحدة عندها .. تمتليء الأحداق بماء مالح سخين .. ليته يعود .. ستتحمل قرفه وبروده .. وستتجاوز عن أخطائه ونزواته .. ما الذي يجده عند غيرها ؟ وما الذي ينقصه ليبحث عنه خارج البيت ؟ .. استغاثت بالمرآة .. تنجدها بصورة مهزوزة ، وخيالات تتراقص كذبالة ميتة .. ما الذي ينقصها ؟ ينهش السؤال عقلها المتخم بالأسى .. تدور في الغرفة كحيوان أسير ، تتمنى عودته ، ستسدل شعرها المسجون وستتركه يثور.. ستجعله يستجيب للهواء ولأصابعه المحترقة .. سترتدي ذلك الثوب الذي يعجبه وسترسم الألوان على وجهها .. ستتجاهل سنوات عمرها العاقل وستتغنى له بمواويل الشوق والحب . أليس هذا ما يريده ؟ أليس هذا ما يجده عند الأخريات ؟ ليته يعود ، فساعات الليل الباردة ترعبها ، تقتلها وحشة ووحدة .. هذا الشعور الذي يسكنها منذ أمد بعيد .. منذ أن أدركت مسلسل الخيانات ، منذ أن شهقت وهي ترى زوجها يسرق المتعة الحرام.. تتعذب ، يعصرها الألم ، باتت تلوك هذه المشاعر كل ليلة .. وهو .. يتمدد هناك غارقا في ملذاته .. يغيب في نشوته الكاذبة .. يتسول ويستجدي الحنان من نساء مأجورات .. وهي تتعذب في شرنقتها الباردة .. تنتظر عودته .. ليته يعود .. ستحاول مكرهة أن تصلح الأخطاء .. ستبدأ معه صفحة جديدة .. ربما كان خطؤها من البداية حين تنازلت عن كرامتها الممتهنة ؟ وماذا يمكنها أن تفعل والسنون تأكل من حيويتها ونشاطها ، والأعباء تتزايد وهي لوحدها والسفينة تكاد أن تغرق .. وهو مشغول عنها .. ليته يعود ، سيجدها كما يريد .. لن تبثه الهموم والمشاكل .. لن تسمح لآلامها وآهاتها أن تنطلق .. سيجدها جديدة .. متغيرة ، فهو يحب التغيير .. فقط ستطلب منه ألا يتركها وحيدة ، فهي تخاف الظلام .. هو ملاذها من هذا الخوف المتنامي .. ستعود إليه كطير مهاجر يحتمي بعشه الدافيء .. ألا يشعر بحنين مثلها لدفء البيت ؟ ألم يتعبه الهجران والبحث العابث ؟ دوامات من الأسئلة تتناطح في رأسها  ، والساعة تتجاوز الثالثة .. تتقلب في فراشها .. تقاوم نوما رحوما ، يريد أن يحميها من هذا العذاب الذي تعيشه .. ترفض .. تقاوم .. تريد مزيدا من العذاب والألم .. ستنتظره .. وستقاوم الخوف والقلق من أجله .. ستشعل لحظاته بالمودة والحب .. ستصير عمره ربيعا أخضر ، وستغدو فراشته الجميلة .. لن تفلت هذه اللحظة من يدها ، لكنه لم يعد.. والساعات تمضي .. وهي تقاوم ، وتقاوم .. تباشير الصباح تتسلل باستحياء ، لا تريد أن تجرح شعورها وتعلن هزيمتها .. إشراقة الوجه ذبلت ، والثوب الزاهي تحلل لونه وتحول للكآبة ، والشعر الثائر سقطت راياته بلا مقاومة ..  والحب المشتعل انطفأت جمراته وغاب في دهاليز الجمود ، يدار المفتاح في قفل الباب .. يستغرب انتظارها .. يبوح الوجه بعدم الاهتمام .. يفتح فمه دهشة .. يتجاوزها للغرفة وهو يتثاءب :

   _ ما الأمر ؟ هل تشكين ألما؟ قلت لك مرارا لا ترهقي نفسك بالسهر ، فعمرك لا يحتمل الإرهاق .

   غاب عن عالمها .. شرقت بالبكاء .. وذابت صورته في ماء مالح غزير. 

 

من كتاب : غشاوة ( قصص قصيرة )

المؤلف : عائشة سعيد سالم الزعابي

اصدارات دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع

دبي - دولة الإمارات العربية المتحدة

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى - 2002 م

 

ملاحظة هامة : جميع الحقوق محفوظة ، ولا يسمح بإعادة طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه أو تخزينه أو نقله بأي شكل من الأشكال إلا بإذن خطي مسبق من المؤلف .

التعليقات
    لا يوجد تعليقات حاليا

أضف تعليق

الاسم:

البريد الالكترونى : لا يعرض

التعليق:

كود التحقيف
verification image, type it in the box


المزيد من بقلم الأديبة